حين تُسخَّر التكنولوجيا بأيدٍ خبيرة ومبدعة، تتحول المسافة من عائقٍ إلى جسر وتعاد توزيع فرص الوصول إلى المعرفة بشكل عادل، ليصبح الحق في التعليم أوسع من حدود المكان والزمان.
لطالما كان المكان أحد العوامل التي تحدد الفرص التعليمية، فالطالب الذي يعيش في مدينة كبرى قد يجد أمامه عشرات الخيارات من المعلمين والمتخصصين، بينما قد يواجه طالب آخر في قرية أو منطقة بعيدة خيارات محدودة، لا بسبب نقص قدراته وإنما لأن بعض الخبرات التعليمية ببساطة ليست متاحة بالقرب منه.
وتزداد الفجوة عندما تعيش الأسرة خارج وطنها ويحتاج الطفل إلى الاستمرار في منهج بلده الأصلي أو إلى معلم متخصص في مسار تعليمي لا يتوفر بسهولة في الدولة التي يعيش فيها.
لسنوات طويلة كانت المسافة تعني محدودية الخيارات، لكن التكنولوجيا غيّرت السؤال: إذا كان المعلم المناسب موجودا في مكان آخر، فلماذا يجب أن تمنع المسافة الطالب من الوصول إليه؟
التعليم عن بُعد ليس مجرد شاشة
التعليم عن بُعد ليس مجرد معلم وطالب أمام شاشة وإنما فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الطالب والمعلم والمكان، أصبح من الممكن أن يكون الطالب في دولة والمعلم في دولة أخرى والمنهج مرتبطًا بدولة ثالثة ومع ذلك تجتمع هذه العناصر داخل تجربة تعليمية واحدة.
وهنا لا نتحدث فقط عن توفير الوقت أو الراحة وإنما عن إزالة عائق جغرافي كان قادرا في الماضي على تحديد من يستطيع الطالب أن يتعلم منه، نحن لا نستطيع إلغاء المسافات، لكن يمكننا منعها من أن تتحول إلى حرمان من الفرصة.
من مصر بدأت الفكرة.. وإلى العالم امتدت التجربة
أنا د. هالة ناصر علي، خبيرة تربوية ومعلمة مصرية وبصفتي مؤسسة ومالكة منصة إكسبلور والمدير التنفيذي لها، كانت رؤيتي منذ تأسيس المنصة تتجاوز فكرة إنشاء منصة أخرى للتعليم الإلكتروني، كنت أؤمن بأن التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة لنقل الدرس إلى شاشة وإنما أداة لإعادة التفكير في فرص الوصول إلى التعليم والمعرفة وتجاوز الحدود التي يفرضها المكان والزمان.
ومن هنا بدأ السؤال الذي قاد تجربتي مع إكسبلور: هل يمكن أن يصبح احتياج الطالب أهم من مكان وجوده؟ وهل يمكن أن يصل إلى المعلم والخبرة التعليمية التي يحتاج إليها، حتى وإن كانت المسافة بينهما آلاف الكيلومترات؟
مع تطور التجربة.. بدأت الإجابة تتحول إلى واقع
امتدت منصة إكسبلور من مصر إلى أسواق خليجية ودول أوروبية ووصلت إلى دول في شرق آسيا، من بينها اليابان وأصبحنا نستفيد من خبرات معلمين من اليابان وماليزيا ونوفر خبرات تعليمية لطلاب في دول أخرى وفق احتياجاتهم ومناهجهم.
المعرفة يمكن أن تنتقل من مكان إلى آخر والخبرة التعليمية يمكن أن تعبر الحدود دون أن يكون صاحبها مضطرا إلى مغادرة بلده.
الجالية المصرية في الخارج… حين يصبح التعليم جسرا إلى الوطن
كانت خدمة أبناء الجالية المصرية في الخارج من أهم التجارب التي اختبرت هذه الفكرة، فالطالب المصري المغترب يحتاج أحيانا إلى أكثر من مجرد مدرس للمادة؛ يحتاج إلى معلم يفهم المنهج المصري وطبيعة الامتحانات ومتطلبات امتحانات السفارات المصرية، إلى جانب فهم الظروف التعليمية التي يعيش فيها خارج وطنه.
ومع تراكم الخبرة، أصبحت امتحانات السفارات جزءا من خبرتنا المتخصصة، إلى جانب المناهج المصرية والأزهرية واللغات والمناهج الدولية ومنها «آي جي سي إس إي» و«كامبريدج» و«إيدكسل» والمناهج الأمريكية.
فالطفل المغترب قد يعيش بين نظامين تعليميين وثقافتين وهنا لا يكفي أن نقدم له حصة؛ بل نحتاج إلى فهم الطفل والأسرة والمنهج والبيئة التي يعيش فيها معا.
الحدود ليست بين الدول فقط هناك حدود أخرى تؤثر في فرص الطلاب: الحدود بين المدن والقرى والمناطق الريفية، قد يكون المعلم المتخصص موجودا في مدينة كبيرة، بينما يعيش الطالب في قرية لا تتوفر فيها الخيارات التعليمية نفسها وهنا يستطيع التعليم عن بُعد أن يفتح دائرة الخيارات أمامه.
فالطالب في القرية يستطيع الوصول إلى معلم في المدينة والطالب في مدينة بعيدة يستطيع الوصول إلى متخصص في محافظة أخرى، دون أن يصبح مكان إقامته سببا في تضييق فرصه، فالعدالة في التعليم لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه وإنما أن تتاح للجميع فرصة حقيقية للوصول إلى ما يحتاجون إليه.
المعلم المناسب أهم من مكانه
كلما اتسعت الحدود الجغرافية، أصبح اختيار المعلم أكثر أهمية ولهذا نولي في إكسبلور اختيار فريق العمل عناية شديدة؛ فلا نبحث فقط عن المعرفة وإنما عن الخبرة والقدرة على التواصل وفهم الفروق الفردية والالتزام بالخطة التعليمية.
كما نهتم بمؤهلات المعلمين وخبراتهم وتدريبهم، لأن الثقة في التعليم عن بُعد لا يمكن أن تقوم على التكنولوجيا وحدها، الموثوقية تبدأ من الإنسان الذي يقف خلف الشاشة والجودة لا تتوقف على استمرار المعلم بل على استمرار الخطة، حرصنا منذ البداية ألا تكون العملية التعليمية مرتبطة بشخص واحد إلى درجة تجعل غيابه يوقف تعليم الطالب، قد يعتذر المعلم أو يمر بظرف طارئ، لكن ما لا يجب أن يتأثر هو الطالب وخطته التعليمية.
لذلك نتابع التدريس وتقدم الطالب باستمرار ونبقى على تواصل دائم مع ولي الأمر وإذا حدث ظرف يمنع المعلم من الاستمرار، نعمل على توفير البديل مع الحفاظ على المسار التعليمي قدر الإمكان، نحن لا نبني تعليما يعتمد على وجود شخص، وإنما منظومة تحمي تعليم الطالب حتى عندما تتغير الظروف.
ولي الأمر شريك وليس مجرد عميل
أحرص شخصيًا على أن أبقى قريبة من فريق العمل وأولياء الأمور، فالتواصل معهم ليس إجراءً إداريا؛ بل جزء من العملية التعليمية نفسها، ولي الأمر يرى جانبا من تجربة الطفل قد لا يظهر للمعلم والمعلم يرى جوانب تعليمية قد لا تظهر للأسرة، ولذلك فإن تكامل هذه الصورة يساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل لمصلحة الطالب، الطالب ليس رقمًا في جدول، والمعلم ليس اسما في قائمة، وولي الأمر ليس مجرد عميل كل طرف جزء من المنظومة.
التكنولوجيا فتحت بابا آخر: تمكين المرأة
التعليم الرقمي لم يفتح فرصا للطلاب فقط، بل فتح أيضا أبوابا مهنية للمرأة، فالكثير من السيدات يمتلكن العلم والخبرة، لكن ظروف الأسرة أو الالتزامات المختلفة قد تجعل العمل التقليدي صعبًا بالنسبة إليهن، التعليم عن بُعد أتاح لهن استخدام خبراتهن والتدريس من المنزل والوصول إلى طلاب في أماكن بعيدة، بما يمنحهن مساحة أكبر للجمع بين الحياة المهنية والأسرية.
فالحدود التي يمكن للتكنولوجيا أن تزيلها ليست جغرافية فقط، وإنما حدود أمام الفرص أيضا، هل يمكن أن يكون التعليم عن بُعد يومًا دراسيًا حقيقيًا؟ كان هذا سؤالًا مهمًا بالنسبة لنا، فالطفل الذي لا يذهب إلى مدرسة تقليدية لا يجب بالضرورة أن يخسر إحساس اليوم الدراسي.
من هنا جاءت فكرة الدوام الصباحي الأكاديمي في منصة إكسبلور؛ يوم دراسي منظم يضم حصصا متتابعة وفترات استراحة وإشرافا ومتابعة يومية، لم يكن الهدف تقليد المدرسة التقليدية حرفيا وإنما الحفاظ على عناصر تربوية مهمة مثل الروتين والانضباط والاستمرارية والإحساس بيوم دراسي حقيقي.
عندما تختفي الطريق بين البيت والتعليم
أحيانًا لا يكون أكبر أثر للتكنولوجيا في الشيء الذي تضيفه وإنما في العوائق التي تزيلها بالنسبة إلى الأم المغتربة، قد يعني التعليم عن بُعد وقتا أقل في المواصلات ومجهودا أقل ومرونة أكبر في تنظيم اليوم وبالنسبة إلى الطفل، قد يعني التخلص من رحلة طويلة أو ظروف جوية مرهقة، وتحويل هذا الوقت إلى التعلم أو الراحة أو الأسرة.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع تعليما جيدا، جودة المعلم والتصميم التربوي والمتابعة والتفاعل الإنساني، كلها عناصر أساسية، الشاشة وسيلة وليست المعلم.
الرؤية التي تقف خلف المنصة
خلال رحلتي في المجال التربوي، حرصت على الدراسة والاطلاع المستمر على التجارب والممارسات التعليمية المختلفة، إلى جانب الدراسات والبرامج التربوية والأكاديمية التي خضتها في مؤسسات تعليمية دولية، لكنني أؤمن أن قيمة المعرفة لا تظهر في عدد الشهادات التي نحملها وإنما في قدرتنا على تحويلها إلى أثر.
ولهذا حاولت أن تتحول رؤيتي داخل منصة إكسبلور إلى تفاصيل حقيقية: كيف نختار المعلم؟ كيف نتابع الطالب؟ كيف نستمع إلى ولي الأمر؟ كيف نضمن استمرارية الخطة؟ وكيف نستخدم التكنولوجيا دون أن نفقد الجانب الإنساني من التعليم؟ وربما كان أكثر ما تعلمته من هذه الرحلة أن حجم الفكرة لا تحدده السنوات.
فقد بدأت المنصة من مصر، ثم امتدت إلى الخليج وأوروبا وشرق آسيا، ووصلت إلى طلاب في بيئات مختلفة واستفادت من خبرات معلمين من دول مختلفة، بينما ظل الهدف واحدا: أن يحصل الطالب على التعليم الذي يحتاج إليه، بغض النظر عن المكان الذي يعيش فيه.
حين تصبح المعرفة أكبر من الجغرافيا
لا أعتقد أن مستقبل التعليم يجب أن يكون معركة بين المدرسة التقليدية والتعليم عن بُعد، المستقبل الحقيقي قد يكون في القدرة على الجمع بين أفضل ما يمكن أن يقدمه كل منهما: معلم متخصص، منهج مناسب، متابعة حقيقية، أسرة شريكة وتكنولوجيا تزيل الحواجز بدلا من أن تضيف حواجز جديدة.
بدأت منصة إكسبلور من مصر، لكنها لم تتعامل مع مصر باعتبارها نهاية الخريطة ومن خلال الوصول إلى أسر في الخليج وأوروبا وشرق آسيا وخدمة أبناء الجالية المصرية والتعامل مع المناهج المختلفة وبناء فريق من المعلمين المتخصصين، أصبح واضحا بالنسبة إلينا أن الحدود الجغرافية لا يجب أن تكون حدودًا للفرص التعليمية.
لم نلغِ المسافات، لكننا جعلناها أقل قدرة على منع المعرفة من الوصول وربما يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على مستقبل التعليم: إذا كانت المعرفة لا تعرف حدودا، فلماذا يجب أن يعرفها التعليم؟.
بقلم: د. هالة ناصر علي
مؤسسة ومالكة منصة إكسبلور والمدير التنفيذي لها